العيني

19

عمدة القاري

شاة . من الأولى ظرف مستقر لأنه بيان لشاة توكيدا كما في قوله : ( في كل خمس ذود من الإبل ) و : من ، الثانية لغوا ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف ، أي : ليعط في أربع وعشرين شاة كائنة من الغنم لأجل كل خمس من الإبل . قوله : ( من الغنم ) ، كذا هو بكلمة : من ، في رواية الأكثرين ، وفي رواية ابن السكن بإسقاط : من . قيل : هو الصواب ، إن شاء الله تعالى ، فعلى قوله : ( الغنم ) مرفوع بالابتداء ، وخبره : في أربع وعشرين ، ثم بين ذلك بقوله : ( من كل خمس شاة ) ، ويروى : ( في كل خمس ) ، بكلمة : في ، عوض : من ، وقال ابن بطال : وفي نسخة البخاري بزيادة لفظ : من الغنم ، وهو غلط عن بعض الكتبة . وقال الكرماني : وقال الفقهاء : فيه تفسير من وجه وإجمال من وجه ، فالتفسير أنه لا يجب في أربع وعشرين إلاَّ الغنم ، والإجمال أنه لا يدري قدر الواجب . ثم قال بعد ذلك مفسرا لهذا الإجمال : في كل خمس شاة ، فكان هذا بيانا لابتداء النصاب ، وقدر الواجب فيه ، فأول نصاب الإبل خمس ، وقال : إنما بدأ بزكاة الإبل لأنها غالب أموالهم وتعم الحاجة إليها ، ولأن أعداد نصبها وأسنان الواجب فيها يصعب ضبطها ، وتقديم الخبر على المبتدأ لأن المقصود بيان النصب إذ الزكاة إنما تجب بعد النصاب فكان تقديمه أهم لأنه السابق في السبب ، وكذا تقديم الخبر في قوله : ( بنت مخاض أنثى ) ، قوله : ( أنثى ) للتأكيد ، وقيل : احتراز عن الخنثى ، وفيه نظر . قوله : ( بنت لبون ) ، أنثى ، الكلام فيه كالكلام في : ( بنت مخاض أنثى ) . وقال الطيبي : وصفها بالأنثى تأكيدا كما في قوله تعالى : * ( نفخة واحدة ) * ( الحاقة : 31 ) . أو لئلا يفهم أن البنت هنا والابن في ابن لبون كالبنت في : بنت طبق ، والابن في : ابن آوى ، يشترك فيه الذكر والأنثى . قوله : ( طروقة الجمل ) ، صفة لقوله : ( حقة ) ، وقد فسرنا الطروقة من : طرقها الفحل إذا ضربها ، يعني جامعها . قوله : ( فإذا بلغت يعني ستا وسبعين ) ، كذا في الأصل بزيادة : يعني ، وكأن العدد حذف من الأصل اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، فذكره بعض رواته وأتى بلفظ : يعني ، لينبه على أنه مزبدا ، وشك أحد رواته فيه . وقال الكرماني : لعل المكتوب لم يكن فيه لفظ : ستا وسبعين ، أو ترك الراوي ذكره لظهور المراد ففسره الراوي عنه توضيحا . وقال : يعني . فإن قلت : لم غير الأسلوب حيث لم يقل في جوابه مثل ذلك ؟ قلت : إشعارا بانتهاء أسنان الإبل فيه ، وتعدد الواجب عنده فغير اللفظ عند مغايرة الحكم . قوله : ( إلا أن يشاء ربها ) ، أي : إلاَّ أن يتبرع صاحبها ويتطوع ، وهو كما ذكر في حديث الأعرابي في الإيمان : ( إلاَّ أن تطوع ) . قوله : ( وإذا كانت ) في رواية الكشميهني ( إذا بلغت ) قوله ( فازدادت على عشرين ومائة ) أي واحدة فصاعد قوله ( في سائمتها ) أي : راعيتها . قال الكرماني : وهو دليل على أن لا زكاة في المعلوفة ، أما من جهة اعتبار مفهوم الصفة ، وأما من جهة أن لفظ : في سائمتها ، بدل عنه بإعادة الجار ، والمبدل في حكم الطرح فلا يجب في مطلق الغنم . فإن قلت : لا يجوز أن يكون : شاة ، مبتدأ و : في صدقة الغنم ، خبره لأن لفظ الصدقة يأباه ، فما وجه إعرابه ؟ قلت : لا نسلم ، ولئن سلمنا فلفظ : في صدقة ، يتعلق بفرض أو كتب مقدرا ، أي : فرض في صدقتها شاة أو كتب في شأن صدقة الغنم هذا ، وهو إذا كانت أربعين إلى آخره ، وحينئذ يكون شاة خبر مبتدأ محذوف ، أي : فزكاتها شاة أو بالعكس ، أي : ففيها شاة . وقال التيمي : شاة ، رفع بالابتداء ، و : في صدقة الغنم ، في موضع الخبر ، وكذك : شاتان ، والتقدير : فيها شاتان ، والخبر محذوف . قوله : ( واحدة ) ، إما منصوب بنزع الخافض أي : بواحدة ، وإما حال من ضمير الناقصة ، وفي بعض الرواية : بشاة واحدة ، بالجر . قوله : ( وفي الرقة ) ، بكسر الراء وتخفيف القاف : الورق ، والهاء عوض عن الواو ، نحو : العدة والوعد ، وهي : الفضة المضروبة ، ويجمع على : رقين . مثل : أرة وأرين . قوله : ( فإن لم تكن ) ، أي : الرقة ، قوله : ( إلا تسعين ومائة ) ، قال الخطابي : هذا يوهم أنها إذا زاد عليه شيء قبل أن يتم مائتين كان فيها الصدقة ، وليس الأمر كذلك ، لأن نصابها المئتان . وإنما ذكر التسعين لأنه آخر فصل من فصول المائة ، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئات والألوف ، فذكر التسعين ليدل بذلك على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين ، يدل على صحته حديث : ( لا صدقة إلا في خمس أواق ) . ذكر ما يستفاد منه فيه : في قوله : ( فلا يعط ) ، دليل على أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما ، قاله الخطابي . وفيه : في قوله : ( من المسلمين ) ، دلالة على أن الكافر لا يخاطب بذلك . وفيه : في قوله : ( فليعطها ) دلالة على دفع الأموال الظاهرة إلى الأمام . وفيه : من أول الحديث إلى قوله : ( فإذا زادت على عشرين ومائة ) ، لا خلاف فيه بين الأئمة ، وعليها اتفقت